الانجراف الإجرامي
amine87.k@gmail.com
تعد ظاهرة الانجراف
الإجرامي من أشهر الظواهر الاجتماعية في العالم، لا فرق فيها بين دولة متقدمة أو
نامية. هذه الظاهرة الملحوظة تؤثر سلبا على المجتمع والدولة على العموم، حيث تخرج
لنا مجموعة من المجرمين في أغلب الأحيان تربوا على الانحراف والإجرام.
الانجراف الإجرامي
يطلق على تحول سلوكي ناتج عن مصاحبة المراهقين والأطفال لأشخاص اعتادوا الإجرام
كنشاط مدر للدخل، ونقصد بمصطلح الإجرام كل فعل جنحي مخالف للقانون مصنف على أساس
أنه جريمة ، سواء الإلكترونية منها أو غيرها . حيث أن المجرم يكون غالبا من
الأقارب أو الأصدقاء أو المعارف، يدخل في علاقة تأثير وتأثر بينه وبين الشخص الآخر
فيتحول الأول بالنسبة للأخير إلى قدوة عليا ومثل أسمى يتتبعه شبرا بشبر وصاعا
بصاع، وذلك عبر ترغيبه بالأفعال الإجرامية التي يقصد منها ثلاثة أشياء :
-
ضمان نوع من الاحترام الاجتماعي داخل صفوف الحي أو المنطقة المسكونة .
-
ضمان دخل مادي سهل وسريع .
-
إرضاء النزعة التسيبية للأنا
الشخصي .
هذه الأهداف الثلاثة
جزء من منظومة تمركزية عامة قائمة على :
- الفاعل .
-الوضعية
التي يوجد فيها الفاعل .
-الغاية
التي يروم تحقيقها الفاعل بفعله .
-الوسائل
المستعملة .
قد تختلف الأسباب
والعوامل التي تؤثر في الشخص القابل للانجراف حسب كل فرد على حدة، غير أنه يؤدي
إلى نهاية مشابهة تتمثل في انقلابه التدريجي من مواطن صالح إلى مجرم خارج عن
القانون، لكن
تبقى الأسرة هي الرافد الرئيسي والأولي لسيرورة هذه الظاهرة خاصة في مجتمعات تشكل فيها
اللبنة الأساس في بنية المجتمع فهي التي تمنح الطفل المفاهيم والمعايير والقيم الاجتماعية
للانخراط الإيجابي في الحياة ولمواجهة المستقبل، لذا فإن مسألة التنشئة الأسرية ودورها في إنتاج أفراد
صالحين أو منحرفين تبقى مسألة لا ينبغي إغفالها لفهم هذه الظاهرة والعمل على
محاربتها، وقد تناول مسؤولية الأسرة في سلوكات أبنائها العديد من الدراسات الاجتماعية
خاصة تلك المتحدثة عن انحراف الأحداث، وقد
برزت لأجل ذلك نظريات اجتماعية شهيرة، كان روادها سوسيولوجيون كبار من قبيل بارسونز
Parsons
وميرتون Merton وميد Mead .
هذا
السلوك الإجرامي المكتسب يتعلم كما يتعلم السلوك السوي، حسب نظرية Sutherland وذلك بالتداخل مع أشخاص آخرين في عملية اتصال بينهم. هذا التعليم يشمل أسلوب
ارتكاب الفعل الجانح ، ودوافع وتبريرات ارتكابه، بالإضافة إلى الآراء والمواقف من النصوص
القانونية المتعلقة بالجريمة، فيقدم الشخص على ارتكاب الفعل الجانح عندما ترجح لديه
آراء الكفة التي تحبذ انتهاك القوانين على كفة احترامها .. وفي ذلك من وجهة نظر
علم اجتماع الإجرام تتداخل فيه أمور عديدة منها :
1-
التنشئة الأسرية السيئة : إما بترك
الطفل أو المراهق مهملا لا رقابة عليه أو تنشئته تنشئة مختلة تتداخل فيها القيم
الجرائمية على القيم الصالحة، خاصة إن كان أحد أفراد العائلة متبنيا لتلك القيم.
2-
التأثر ببرامج إعلامية تسوق لقيم
الجريمة : ومن ذلك الاطلاع على الأفلام والمسلسلات والبرامج التي تصور الأبطال على
أساس أنهم أشخاص خارجون عن القانون، وعباقرة أذكياء، كل هذه المسائل تنطبع في
اللاوعي النفسي للشخص قد تؤثر عبر تراكمات نفسية/اجتماعية في قرار انتهاك القانون
.
3-
المحيط الاجتماعي السائد : ونقصد بذلك
المحيط الذي يكون على مستوى الحي أو المدينة بشكل ميكرو سوسيولوجي ، والذي قد يشجع
بأشكال مباشرة أو غير مباشرة ظاهرة الانجراف .
4-
الصراعات السوسيوثقافية : والتي تساهم
فيها إيديولوجيات متعددة قد تتحول إلى صدام انحرافي قائم على عصبية قبلية أو دينية
أو فكرية أو رياضية ... تساهم في انحلال المجتمع إلى قطاعات متعددة متصارعة دائما وضعف
الانسجام داخل الثقافة المجتمعية.
5-
التعاطي لمواد محظورة مغيبة للعقل .
6-
أسباب نفسية وتجارب اجتماعية فردية.
7-
ضعف المساطر الزجرية وعدم نجاعة
المؤسسات الإصلاحية.
إن سيرورة
إنتاج الإنحراف أو الإجرام في المجتمع لا تختلف في شيء عن سيرورة إنتاج سلوك اجتماعي
آخر، فظاهرة الانجراف الإجرامي سوسيولوجيا مستحيل القضاء عليها جملة وتفصيلا، بل
الرهان هو في الحد منها وتقليصها ومحاربتها، وتلك مهمة المجتمع المدني والمحيط
الأسري، ومؤسسات التنشئة الاجتماعية ووسائل الإعلام وغيرها .. ولا تتحمل الشرطة
إلا جانبا من جوانبها في وضع الاستراتيجيات الأمنية المثلى، والعمل على تحديد ورصد
المجرمين وتقديمهم إلى العدالة، فالظاهرة تحتاج لتكاثف تكاملي من جميع الأطراف
وإلا ستصعب مهمة الشرطة حينئذ بأجهزتها المختلفة لضبط الأمن الاجتماعي والسهر على
حمايته.